الارشيف / عرب وعالم / الامارات / صحيفة الخليج

الدكتور سلطان القاسمي يكـتب: الخنجر المرهون (2-2)

الدكتور سلطان بن محمد القاسمي

كان عمي المرحوم الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، حاكم الشارقة، له مكتبة خاصة في حصن الشارقة، وأخرى في البيت الغربي. كان والدي دائماً يأخذني معه عند زياراته الخاصة لشقيقه، الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، فكانا يلتقيان في المكتبة، أكانت في الحصن أم في البيت الغربي، وقد كان وضع المكتبتين يسمح بالدخول من جهة المجالس، ومن جهة المنزل الداخلي.

استلمت رزمة الكتب، وحملها لي بعض الخدم، حيث تم وضعها في وسط المخزن، وهو بناء كبير ننام كلنا هناك. المكان مظلم، حيث لا يوجد أيّ منفذ للنور إلّا من شباك واحد لذلك المبنى الكبير، وله باب قبالة مشرق الشمس، كل ذلك لإدخال الدفء لذلك المبنى.

كان الزمان شتاءً وفي شهر نوفمبر عام 1953م، قمت بفرش الكتب على أرضية المخزن وفي وسطه بالتحديد، وبدأت أتصفح الكتب، والنساء من الخدم يشتغلن في المخزن، بالتنظيف، أو إخراج بعض الأشياء أو وضعها هناك، وأنا أصيح: «من هناك... لا من هنا... من هنا».

قمت بوضع الكتب في الدريشة، والدريشة هي طاقة في الجدار، وأخذت أنزل الكتب كتاباً بعد كتاب تصفحته.

- كتاب الحسن البصري، وإذا به سيرته وشخصيته وتعاليمه وآراؤه، وإذا بها الأحكام الشرعية والوعظ والحديث. لماذا طلبت هذا الكتاب؟ لأنه من مكتبة عمي الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، حاكم الشارقة، ويحتاج لمعرفة الأحكام الشرعية.

- رواية عنترة بن شداد، قرأت الكتاب بسرعة، حيث أعجبتني تلك الرواية، ولو أن بها خيالاً واسعاً.

- ألف ليلة وليلة، قرأت ذلك الكتاب، وإذا به الخيال كله، فذلك لا يهم، بقدر ما في ذلك الكتاب، من تشبيه للعهر، فأخذت ألغي أجزاءً كثيرة من ذلك الكتاب، لأنني قررت أن أروي ذلك، وإذا بي أنشغل برواية تلك الروايات بين الطلبة وبيوت الجيران وفي بيتنا كذلك.

- الشوقيات، للشاعر أحمد شوقي، أظن أن عمي أحوج لذلك الكتاب مني، حيث إنه شاعر.

- جواهر الأدب في صناعة إنشاء العرب، كتاب، كنت أقرأ ما فيه في الأوقات القصيرة، وكل موضوع لا يتعدى بضع أوراق.

- لم يبقَ من الكتب إلّا كتاباً واحداً، بعنوان: نهج البلاغة، المختار من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، لجامعه الشريف الرضي.

أخذت أفكر، هل هذا الكتاب يستحق كل ذلك التعب والتضحية بالخنجر!!! أخذت أتشفى من ذلك الكتاب، فكنت معظم الوقت أقرأ في ذلك الكتاب فحفظت معظمه.

تغير وضع بيتنا كثيراً، فبعد أن كان مقر نائب حاكم الشارقة، وبعد وفاة حاكم الشارقة، أصبح بيتنا مقر حاكم الشارقة، فكانت العزائم والولائم دائمة، وكانت الأطباق تدخل بيتنا فارغة وتخرج مملوءة بالطعام، والأصوات لا تهدأ إلّا ليلاً، حتى تنازل والدي عن الحكم لابن أخيه الشيخ صقر بن سلطان القاسمي، وزوج ابنته، فهدأ البيت، فلا تسمع صريخاً، ولا تشم طبيخاً.

كان والدي يحضر مجلس ابن أخيه وهو الشيخ وحاكم الشارقة، فإذا حضر شخص يشتكي جلس أمام والدي، فيقوم والدي ويوجهه إلى الشيخ صقر القاسمي، قائلاً: هناك الحاكم... ذلك الحاكم، ومرات كان الشيخ صقر هو بنفسه، يقول: أنا الحاكم تعال هنا.

وجدَ والدي في حضوره إلى مجلس الشيخ صقر إحراجاً له، فتوقف عن الذهاب إلى مجلس الحاكم، وجلس في مجلسه، وإذا بالناس، تدخل إلى مجلسه إما طالباً للمساعدة أو مشتكياً، أو ضيفاً قادماً من خارج الشارقة.

قام والدي بإغلاق مجلسه، لكن الناس تتجمع أمام بابه والذي هو ناحية المجلس، تنتظر خروجه. كان لبيتنا باب آخر، هو الباب الذي يفتح على الساحة أمام الحصن، فامتنع والدي أن يستخدم ذلك الباب، وأخذ يخرج من باب المطبخ، عندما يريد الخروج إلى بيت الشيخ سيف المدفع، وهو قاضي البلد، أو الذهاب إلى السوق حيث تجارته وعقاراته وأصحابه من التجار.

في الصباح أو المساء، يقوم والدي بالتطيّب، بالعطر والبخور، ويخرج من باب المطبخ، حيث يكون إلى يمينه رائحة الطبيخ ودخان الحطب، وإلى يساره، زريبة الأبقار وروائح روث البقر، فإذا ما خرج من ذلك الباب، وجد ساحة صغيرة مليئة بالحطب، وحشائش الأبقار، فيمر والدي من بينها. حول تلك الساحة بيوت من سعف النخيل، فيخرج والدي من بينها إلى الطريق العام المؤدي إلى بيت قاضي البلد وإلى الأسواق.

كان والدي كلما عاد من بيت الشيخ سيف المدفع ليلاً، وجدني أقرأ في الكتب التي اشتريتها ويقول لي: اقرأ لي من الكتاب الذي قرأت لي منه بالأمس، وكان يقصد كتاب نهج البلاغة، فقلت له: لماذا لا تأخذ الكتاب وتقرأ بنفسك منه؟ قال والدي: تعجبني الطريقة التي تقرأ بها.

في ذات ليلة، حضر والدي فوجدني مكباً على كتاب، كان ذلك نهج البلاغة، فجلس إلى جواري، فأخذت أقرأ له من ذلك الكتاب مواضيع تشرح النفس، فانشرح صدره وقال: من أين لك ذلك الكتاب العجيب؟! قلت: لقد اشتريته ومجموعة من الكتب من البحرين. قال والدي: كم دفعت ثمناً لتلك الكتب.

قلت: مئة روبية. قال والدي: ومن أين لك ذلك المال؟! قلت: رهنت خنجري الذهبي بمئة روبية. قالت والدتي والتي كانت متمددة على الأرض إلى جانبي: حسبي الله على إبليسك، كنا ظلمنا برهوم صحن الأوتيل.

قال والدي: ما موضوع برهوم صحن الأوتيل؟ فأخبرته والدتي عمّا جرى يوم اختفاء الخنجر الذهبي.

أخذني والدي إلى خزانة حديدية في خُصْمِ المخزن، وأخرج منها مئة روبية، وقال: غداً تذهب وتفك الرهن وتحضر خنجرك، ثم أضاف: وسلطان، لا يريد شيئاً؟! فضحكت، فأعطاني عشر روبيات.

في صباح اليوم التالي ذهبت إلى مقهى أحمد إبراهيم الملا، ودفعت له مئة روبية، واسترجعت خنجري الذهبي من عند زوجته نصرة بنت محمد.

جاء والدي، ذات يومٍ ضحى إلى المخزن وهو مقر إقامتنا، فسلم، فردت والدتي عليه السلام وامرأة كانت جالسة قربها.

قالت والدتي: محمد... هذه آمنة بنت بدر... أختكم من الرضاعة، مرضوعة مع أخيك الشيخ سلطان، الله يرحمه.

قال والدي: أعرفها، أخبرني بذلك المرحوم.

كانت عينا والدي تجول في أنحاء المخزن، تبحث عن سلطان، ثم قال: «مريم... أين سلطان؟!، المخزن مظلم، ليس به سفر». قالت والدتي: هناك في خُصْمِ المخزن... مثل الكوز وعلى وجهه كتاب.

ناداني والدي وأخذني معه، وهو يقول: كفاك جلوساً بين الحريم. أخذني والدي إلى مجلسه الخاص وهو مكوّن من حُجرة جميلة وملحق بها بارجيل (لاقط الهواء)، وأمامها حوش، له بابان، واحد إلى مخرج البيت، وآخر إلى داخل البيت، وحمام، وفي وسط ذلك الحوش شجرة كبيرة، وارفة الظل، يقال لها: شجرة الشريش، ذات الأزهار البيضاء العطرة، وهناك دكة للجلوس تحت تلك الشجرة.

أدخلني والدي إلى مجلسه الخاص وهو يقول: «هذا بيتك يا سلطان».

فلم أصدق ما شاهدته، فقد تحول ذلك المجلس إلى حجرة نوم، بها سرير، ومرافق أخرى.

شكرت والدي على ذلك، فقال: عندما أريد أن أقرأ كتبك سآتي إلى هذا المكان، عندما تكون أنت في المدرسة.

فقلت: إن ذلك يسعدني.

قال والدي: لكن الكتب قليلة، اطلب كتباً كثيرة، وأنا سأدفع لك كل ما تحتاجه من مال.

ثم سأل والدي قائلاً: كيف تعرف أسماء الكتب؟ رويت له ما قمت به عند وفاة عمي الشيخ سلطان، وكان إخواني وأبناء عمي، ينتظرون وصول الجثمان من لندن في مجلس المكتبة يلعبون الورق لمدة أسبوع كامل، أما أنا فقد كنت في المكتبة أنقل عناوين كتب عمي الشيخ سلطان، وهي معي سأحضرها.

هرولت إلى المخزن وأخرجت الأوراق التي بها أسماء الكتب، وحضرت إلى مجلس أبي الخاص، أي بيتي، فوجدت والدي غارقاً في البكاء، فضمني إلى صدره وأخذ يقبلني، ويقول: تذكرت عمك، الله يرحمه. أخذ والدي يدفع لي المبالغ الطائلة، وأجلب أنا بدوري الكتب من مكتبة المؤيد بالبحرين، ووالدي يقرأ ويحفظ، حتى إذا جاء يوم كنا في مجلس الشيخ سيف المدفع حيث الفقهاء والعلماء، فقد كان والدي سابقاً مستمعاً فقط، أما اليوم فقد أصبح يشارك في الحديث، وإذا به ينبري قائلاً:

العلم يرفع بيتاً لا عماد له

والجهل يهدم بيت العزّ والشرفِ

في شهر نوفمبر عام 1954م، مررنا بالبحرين ونحن في طريقنا إلى الحج، وفي البحرين خرجت من الفندق وأنا أسأل عن مكتبة «المؤيد» حتى دلوني عليها، فدخلتها فوجدتها مليئة بالكتب التي رُصّت على الأرفف من الأرض حتى سقف المكتبة. انشغل نظري بالكتب عن الجالس على كرسي وأمامه طاولة، والذي نبهني قائلاً: «ماذا تريد يا ولد؟».

التفت إليه وإذا به رجل كبير في السن، حيّيته وسألت: «أأنت المؤيد؟».

قال: «نعم، وماذا تريد؟».

قلت: «أنا صديقك سلطان القاسمي، من الشارقة».

قال: «أنت سلطان؟! الذي يراسلني من الشارقة؟!».

قلت: «نعم».

قال: «وماذا تفعل بالكتب التي تشتريها، والأخرى التي أهديها لك؟».

قلت: «أقرؤها».

ورويت للمؤيد حكايتي مع الكتب.

هنا سأل المؤيد: «ما قرابة المرحوم الشيخ سلطان بن صقر بك؟».

قلت: «عمي».

فهز رأسه وكأنه يقول: «لا غرابة!».

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا